عبد الله بن محمد المالكي

525

رياض النفوس في طبقات علماء القيروان وأفريقية وزهادهم ونساكهم وسير من أخبارهم وفضائلهم وأوصافهم

يقول : ( مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها ) « 67 » ؟ يا بخيل ، خذ رأس مالك وتصدّق بالباقي فإن مثل هذا الكريم يتاجر [ معه ] « 68 » » . قال أبو بكر الصقلّي ، وكان من رجال يحيى بن عمر : « كنت أخدم أبا هارون الأندلسي ، وكان أبي كثير الصحبة له . قال : فجئت معه يوما إلى حانوت حجام عند « المسجد الجامع بسوسة » ليأخذ له من شعره ، فوجدنا الحجام يحلق رأس رجل ، فسلمنا وجلسنا ننتظر فراغه حتى أتى رجل من أهل الدنيا ، فسلم وجلس ، فرد عليه الحجام ، وقال له : « ارتفع يا سيدي » ، وأعظمه . قال : فلما قام الرجل الذي بين يديه قال للرجل الدنيائي « 69 » : « اعزم يا سيدي » وصبّ على رأسه ، ولم يلتفت إلى أبي هارون » . قال أبو بكر : « فغضبت من فعل الحجام ، إذ لم يعط الشيخ حقه ولا سيما أنه سبق ، فقلت للشيخ بيني وبينه : « قم بنا إلى غيره » ، فقال لي : « لا » فقلت له : « ألا تراه قدم عليك رجلا من أهل الدنيا ، وأنت سبقت ، ولم يعرف قدرك ؟ » فأشار إليّ أن أسكت فسكت ولم أقدر أخالفه . فلما فرغ من الرجل بلّ الشيخ رأسه وجلس بين يديه ، وحلق رأسه . قال : وحلقت رأسي بعده ، فلما فرغنا أخرج الشيخ أبو هارون من جيبه خرقة حلّها وأخرج منها دينارين ودفعهما إلى الحجام وخرج ، فبقي الحجام باهتا ينظر إليه . فلما خرجنا قلت للشيخ : « لم فعلت هذا ، أصلحك اللّه ؟ هذا رجل لم يعرف قدرك ، وقدم عليك من سبقته أنت دوننا ككلّ « 70 » من له دنيا ، وحقرك ، فأعطيته دينارين ليس معك غيرهما » فقال لي : « إنما أردت أن أقيم جاه الفقر والفقراء عنده حتى لا يعود أبدا يقدم دنيائيا على فقير ولا يرى فقيرا « 71 » إلا نظر إليه بعين الجلالة » . قال أبو بكر : « فمشينا قليلا ، فلما جاوزنا الجامع لقينا قوما عليهم أثر السفر ، فسلّموا على الشيخ أبي هارون وقبلوا رأسه وبجلوه ، ودفعوا له صرة وقالوا له : « فلان يقرأ عليك السلام ووجه إليك بهذه الصرة » فأخذها منهم ، فمشينا قليلا ففتحها فعد فيها عشرة دنانير فقال لي : « يا أبا بكر ، أقمنا جاه الفقراء

--> ( 67 ) سورة الأنعام الآية 160 . ( 68 ) زيادة من الناشر السابق . ( 69 ) كذا جاء هذا اللفظ معجما . وورد في الجزء الثاني مهملا فقرأناه الدنيائي والمقصود واضح . ( 70 ) في الأصل : لكلّ . ( 71 ) في الأصل : فقير .